الشيخ محمد رشيد رضا
253
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
فناداه باسم الذات الجامع لمعنى الألوهية والقدرة والحكمة والرحمة وغير ذلك فقال « اللَّهُمَّ » ومعناه يا أللّه ، ثم باسم الرب الدال على معنى الملك والتدبير والتربية والاحسان خاصة ، فقال « رَبَّنا » أي يا ربنا ومالكنا كلنا ومتولي أمورنا ومربينا ، أنزل علينا مائدة سماوية ، جثمانية أو ملكوتية ، يراها هؤلاء المقترحون بأبصارهم ، وتتغذى بها أبدانهم أو أرواحهم ، ولو لم يقل من السماء لشمل الطلب اعطاءهم مائدة من الأرض ولو بطريقة عادية ، فان كل ما يعطى من اللّه تعالى يسمى انزالا لتحقق معنى العلو المطلق غير المقيد بجهة من الجهات للّه سبحانه فإنه هو العلي القاهر فوق عباده ثم وصف عيسى عليه السّلام هذه المائدة بما أحب أن يستفاد من انزالها فقال في وصفها « تَكُونُ لَنا عِيداً » أي عيدا خاصا بنا معشر المؤمنين دون غيرنا ، أو تكون كرامة ومتاعا لنا في عيدنا . ثم قال « لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا » وهو بدل من قوله « لَنا » الذي ذكر أولا لإفادة الحصر والاختصاص ، أي عيدا لأول من آمن منا وآخر من آمن ، والمتبادر انه أراد بأولهم من كان آمن عند ذلك الدعاء وبآخرهم من يؤمن بعد نزول المائدة ممن يشهد لهم من شهدها وغيرهم ، ويحتمل على بعد أن يراد أول جماعته الحاضرين معه ايمانا وآخرهم ، وروي أن المعنى يأكل منها آخر القوم كما يأكل أولهم أو كافية للفريقين وكلمة العيد تستعمل بمعنى الفرح والسرور ، وبمعنى الموسم الديني أو المدني الذي يجتمع له الناس في يوم معين أو أيام معينة من السنة للعبادة أو لشيء آخر من أمور الدنيا ، ولذلك قال السدي في تفسير العبارة : أي نتخذ ذلك اليوم الذي نزلت فيه عيدا نعظمه نحن ومن بعدنا ، وقال سفيان الثوري : يعني يوما نصلي فيه . وقال قتادة : أرادوا أن يكون لعقبهم من بعدهم . وقال سلمان الفارسي ( رض ) عظة لنا ولمن بعدنا ، ويصح أن يسمى طعام العيد عيدا على سبيل المجاز كما أشرنا اليه آنفا وقوله « وَآيَةً مِنْكَ » معناه وتكون آية وعلامة منك على صحة نبوتي ودعوتي ، ولعل المراد بنص قوله « مِنْكَ » - مع العلم بأن كل شيء منه تعالى ولا سيما الآيات - النص على أن الآيات انما تكون من اللّه وحده ، أو أن تكون المائدة من لدنه تعالى بغير واسطة منه عليه السّلام تشبه السبب كالآيات السابقة . ومما نقل عنه وعن نبينا عليهما